أحداث عامة أخبار متفرقات

أخصائيون : استئصال العنف من المجتمع التونسي يتطلب ما لا يقل عن 3 أجيال

لا يغيب عن المتابعين للشأن الوطني، وخاصة الشأن الاجتماعي، تكاثر حوادث العنف التي مست أغلب المجالات، وأضحى العنف ظاهرة مجتمعية يرى المختصون أنها باتت تشكل خطرا على سلامة المجتمع وعلى التعايش بين مختلف أطرافه، ويؤكدون على مسؤولية مؤسسات التنشئة الاولى في تفاقم هذه الظاهرة.

والعنف هو كل سلوك يلحق الأذى بالطرف الآخر، ويتخذ عدة أشكال حددها المشرع التونسي وجرمها في المجلة الجزائية وفي القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.
وتعتبر الباحثة في علم الاجتماع ومنسقة المرصد الاجتماعي بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، نجلاء عرفة، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، أن ممارسة العنف أضحى آلية من آليات التعامل داخل المجتمع يتطلب استئصالها ما لا يقل عن ثلاثة أجيال، واصفة المواطن بأنه “مطبع” مع العنف اللفظي، ويعيش داخل فضاءات تؤسس للعنف، سواء في الفضاء الاسري أو المدرسي، أو في الفضاء العام الذي تغيرت ملامحه منذ العشرية الأخيرة، وفق تقديرها.

ولاحظت نجلاء عرفة أن التعبير عن العنف تلوّن بمشاعر الخوف قبل الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فكان الفضاء العام يكاد يخلو من العنف بسبب المقاربة الأمنية المتبعة، ولكن الثورة أتاحت، حسب رأيها، هامشا من الحريات لدى أفراد المجتمع، وقضت على حالات الخوف، وهو ما يفسر استشراء العنف في الفضاء العام بمختلف مكوناته.

وقالت الباحثة، في هذا الخصوص، إن ظواهر العنف وممارساته كانت مسكوتا عنها قبل الثورة وكانت حكرا على الفضاءات المغلقة، منبهة إلى أن الطفل المعنف، على سبيل المثال، يمارس مستقبلا العنف داخل فضائه الاسرى، ويصبح هذا السلوك آلية تعامل له في الوسط المهني والاسري.

أما الاخصائي النفسي، وحيد قوبعة، فهو يعتبرأن مفهوم التعبير عن الحريات فهمه أغلب أفراد المجتمع فهما خاطئا، إلى درجة أنه أصبح يشوبه تعد صارخ على الحريات الفردية.
وهذا العنف تعود جذوره، وفق هذا الاخصائي، إلى فترة الصغر، في مؤسسات التنشئة الاولى كالاسرة والمدرسة. وقد أكد أن حضور الطفل للخصومات بين الوالدين يرسخ لديه حالات الخوف، ويمنعه من التركيز في الدراسة، ويصبح هاجسه الاوحد التفكير في مآلات هذه المشاحنات وانعكاساتها المحتملة عليه، وتطرأ على ذهنه عدة تساؤلات حول إمكانية فقدان أحد والديه او بقائه دون عائل وغيرها من الفرضيات.

كما تؤثر العلاقات المتوترة بين الوالدين والتي تطغى عليها، في بعض الاحيان، الخصومات والمشاحنات على الطفل الذي سيصبح مستقبلا عنيفا او صاحب شخصية مهتزة وغير قادر على ردة الفعل السليمة. كما يمكن أن يؤسس الوسط المدرسي للسلوكيات العنيفة من خلال تعامل بعض الاطار التربوي العنيف مع التلاميذ أواستشراء الخصومات والمشاحنات بين التلاميد وهو ما ينجم عنه صعوبات في التعلم لدى عدد من التلاميذ.
وفي خصوص الاسباب التي تؤدي إلى السلوكيات العنيفة، أفاد الاخصائي النفسي، وحيد قوبعة، أنها تعود في جانب منها إلى الإدمان على الألعاب الالكترونية، وعلى مشاهدة أفلام الرعب، وإلى كثرة تعاطي المنشطات والمنبهات التي تشعره بالتوتر مما يجعله كثير التشنج ويرد الفعل لاتفه الأسباب، إضافة قلة ممارسة الرياضة، وكثرة أوقات الفراغ.
ويمكن أن يؤدي العنف، وفق هذا الاخصائي، إلى ظهور أمراض نفسية منها الاكتئاب، وعدم التحكم في الانفعالات والمشاعر، والامراض المزمنة، والجلطات، ناهيك عن تأزم العلاقة بين هذا الفرد والمحيطين به.

واعتبر أن الرادع القانوني وحده غير كاف للحد من ظاهرة العنف، داعيا الاولياء إلى أن يكونوا مثالا يحتذى لابنائهم داخل الاسرة المصغرة، وإلى إيجاد برامج توعوية خارجها، ويتم المرور وجوبا الى رادع قانوني صارم إذا لم يتحقق المرجو بالوسائل الاخرى.
القانون الجزائي

ويعاقب القانون الجزائي عن العنف الذي يرتكبه أحد الابوين تجاه أولاده بشرط ان يكون العنف قاتلا (الفصل 210 من المجلة الجزائية) او ينجم عنه سقوط بدني شديد وفق ما جاء في الفصلين 218 و 219 .
وفي حال كان العنف خفيفا والقصد منه تأديب الطفل، فان القانون التونسي لا يعاقب الابوين على ارتكابه، لكن اتفاقية حقوق الطفل المصادق عليها في 1991 ومجلة حماية الطفل الصادرة في 1995 توحيان بضرورة تفادي مثل هذا السلوك العنيف مهما كان السبب.
وجاء القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ليجرم مختلف اشكال العنف المرتكبة ضد المراة والأطفال.
ووفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد عرف شهر نوفمبر2021، تطورًا ملحوظًا في العنف الفردي الذي ارتفع من 48 بالمائة من حجم العنف خلال شهر أكتوبر من نفس السنة إلى نسبة 5ر62 بالمائة خلال شهر نوفمبر، مقابل تراجع العنف في شكله الجماعي ليكون في حدود الـ 7ر35 بالمائة.

وحافظ العنف في شكله الإجرامي على المرتبة الأولى في سلم العنف المرصود من قبل المرصد الاجتماعي التونسي، على غرار الأشهر والسنوات الماضية، إذ يصل إلى نسبة 8ر70 بالمائة من مجموع العنف، يليه في ذلك العنف المؤسساتي الذي كان في حدود الـ 5ر12 بالمائة، ليأتي في المرتبة الثالثة العنف الاقتصادي بنسبة 4ر10 بالمائة من المجموع العام.
ويحتكر الفضاء العام من شارع ووسائل نقل، وفق المرصد، النسبة الأكبر من أحداث العنف المسجلة خلال شهر نوفمبر 2021، ب 4ر33 بالمائة من مجموع العنف، ويأتي بعد ذلك بالتساوي الفضاء التربوي والفضاء الجامعي والمسكن (الفضاء الأسري) اللذان عرف كل منهما 8ر18 بالمائة من حجم العنف المرصود.
ولاحظ تقرير المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أنّ العنف في أشكاله المختلفة (العنف المادي والمعنوي والعنف التربوي والعنف المؤسساتي والعنف الإداري والعنف الإجرامي)، يتوزع على كامل ولايات الجمهورية تقريبًا بنسب متقاربة. 

وات